ملا محمد مهدي النراقي

275

جامع السعادات

لا قوام له بذاته ، بل هو قائم به ، وليس له معية بالوجود بالنسبة إليه تعالى ، إذ المعية توجب المساواة في الرتبة ، وهي نقصان في الكمال ، إذ الكامل الحقيقي من لا نظير له في الوجود ، والكمال بوجه من الوجوه وإن كان لغيره وجود وكمال بعد كونه صادرا منه معلولا له ، إذ تحقق الموجودات وذوات الممكنات لا يوجب نقصانا في ذاته سبحانه بعد استنادها جميعها إليه ، وكونها أضعف منه بمراتب غير متناهية في الوجود والكمال شدة وقوة ، فكما إن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس ، بل هو من جملة كمالها ، وإنما نقصانها بوجود شمس أخرى مساوية لها في الرتبة مستغنية عنها ، فكذلك وجود كل ما في العالم إذا كان من أشراق نور القدرة الإلهية تابعا لها ، لم يكن ذلك نقصانا في الواجب سبحانه ، بل كان كمالا له . ولما علم ذلك ، وتيقن بأن التفرد بالوجود والكمال والاستيلاء التام على جميع الأشياء لا يليق به ، لأنه عبد مملوك مقهور تحت القدرة الإلهية ، عرف أنه عاجز عن درك منتهى الكمال الذي هو التفرد بالوجود والاستيلاء أي كون وجود غيره منه . إلا أنه لم تسقط شهوته للكمال ، بل هو محب له ملتذ به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال ، وطالب لتحصيل ما يتمكن منه . فمطلق الكمال محبوب عنده ، إلا أن طلبه إنما يتعلق بالكمال الممكن في حقه ومن الكمال الممكن في حقه أن يحصل له نوع استيلاء على كل الموجودات ، فكان ذلك محبوبا عنده ومطلوبا له . ولما كانت الموجودات منقسمة إلى ما لا يقبل التغير ، كذات الواجب وصفاته وعالم المجردات ، وإلى ما يقبل التغيير ولكن لا تستولي عليه قدرة الخلق بالتصرف ، كالأفلاك والكواكب وملكوت السماوات ونفوس الملائكة والجن والشياطين والجبال والبحار وغير ذلك ، وإلى ما يقبل التغير وتستولي عليه قدرة العباد ، كالأرض وأجزائها وما عليها من المعادن والنبات والحيوان ، ومن جملتها قلوب الآدميين ونفوسهم لكونها قابلة للتغيير والتأثير مثل أجسادهم وأجساد سائر الحيوانات - فلم يكن للانسان أن يتصور إمكان استيلائه على الكل بالتصرف فيه ، فلم يتعرض لطلب ذلك ، بل أحب في كل منها نوع الاستيلاء